الجصاص
540
أحكام القرآن
الحد والمهر والقود والمال ، فوجب أن يكون القطع نافيا لضمان المال ، إذ كان المال في الحدود لا يجب إلا مع الشبهة ، وحصول الشبهة ينفي وجوب القطع . ووجه آخر : وهو أن من أصلنا أن الضمان سبب لإيجاب الملك ، فلو ضمناه لملكه بالأخذ الموجب للضمان فيكون حينئذ مقطوعا في ملك نفسه وذلك ممتنع ، فلما لم يكن لنا سبيل إلى رفع القطع وكان في إيجاب الضمان اسقاط القطع ، امتنع وجوب الضمان . باب الرشوة قال الله تعالى : ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) قيل إن أصل السحت الاستئصال ، يقال : أسحته إسحاتا : إذا استأصله وأذهبه ، قال الله عز وجل : ( فيسحتكم بعذاب ) [ طه : 61 ] أي يستأصلكم به . ويقال : أسحت ماله ، إذا أفسده وأذهبه . فسمى الحرام سحتا لأنه لا بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستئصال . وروى ابن عيينة عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال : سألت عبد الله بن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم ؟ فقال : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه فيهدي لك هدية فتقبلها . وروى شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال : سألت عبد الله عن الجور في الحكم ، فقال : " ذلك كفر " ، وسألته عن السحت ، فقال : " الرشا " . وروى عبد الأعلى بن حماد : حدثنا حماد عن أبان عن أبي عياش عن مسلم ، أن مسروقا قال : قلت لعمر : يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في الحكم من السحت ؟ قال : " لا ، ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة ، فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه " . وروي عن علي بن أبي طالب قال : " السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستجعال في القضية " . فكأنه جعل السحت اسما لأخذ ما لا يطيب أخذه . وقال إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك : " السحت الرشا " . وروى منصور عن الحكم عن أبي وائل عن مسروق قال : " إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت ، وإذا أكل الرشوة بلغت به الكفر " . وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال : " بابان من السحت يأكلهما الناس : الرشا ومهر الزانية " . وروى إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن مسلم عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هدايا الأمراء من السحت " . وروى أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما " . وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي " . وروى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي